في خطوة يمكن أن تجر طهران إلى مواجهة مباشرة مع دول المنطقة ، أعلنت إيران عن آلية جديدة لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، تمنحها إشرافاً سيادياً مباشراً وتسمح بفرض رسوم وتقييد انتقائي على السفن. تأتي هذه الخطوة وسط توترات إقليمية حادة وأزمة ملاحية مستمرة منذ بداية عام 2026، وتُنظر إليها كمحاولة لفرض واقع جديد يعزز السيطرة الإيرانية على أحد أهم الممرات النفطية في العالم، الذي يمر من خلاله نحو 20-21 مليون برميل نفط يومياً (حوالي 20-25% من التجارة البحرية العالمية للنفط)، مما يثير مخاوف من تصعيد قانوني وسياسي واقتصادي كبير.
وأعلن إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، يوم السبت 16 مايو 2026، عن إعداد طهران لـ”آلية احترافية” لتنظيم حركة السفن عبر مضيق هرمز. وقال عزيزي في منشور على منصة إكس إن إيران طورت هذه الآلية “في إطار سيادتها الوطنية وضمان أمن التجارة الدولية”، مشيراً إلى أنها ستشمل مساراً بحرياً محدداً سيُكشف عنه قريباً، مع تحصيل رسوم مقابل “الخدمات المتخصصة”، وحصر الاستفادة على السفن التجارية والجهات المتعاونة مع إيران فقط، وإغلاقه أمام مشغلي “مشروع الحرية” الأمريكي.
تفاصيل الآلية الجديدة وأهدافها الاستراتيجية
تتضمن الآلية الجديدة تخصيص مسار ملاحي محدد للسفن “المتعاونة” فقط، مع إغلاقه تماماً أمام المشغلين غير المتعاونين، ويتطلب من كل سفينة تقديم بيانات مفصلة تتجاوز 40 بنداً تشمل اسم السفينة ورقم التعريف الدولي (IMO)، نوع الحمولة، قائمة الطاقم، الوجهة، الوثائق التجارية، والمعلومات الأمنية. يجب الحصول على تصريح مسبق عبر البريد الإلكتروني قبل أي عبور، وتُدار العملية بالتنسيق الوثيق والمباشر مع الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، الذي يشرف فعلياً على التنفيذ العسكري والأمني، ويتولى مراقبة المسار باستخدام زوارقه السريعة وقواته البحرية لفرض الامتثال ومواجهة أي مخالفات.
يمثل هذا النظام تطوراً طبيعياً لإنشاء هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA) التي أُطلقت في 5 مايو 2026. وتسعى إيران من خلاله إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة: تعزيز السيادة القانونية الكاملة على المضيق، تحصيل إيرادات مالية جديدة من خلال الرسوم مقابل “خدمات السلامة والتنظيم” لتخفيف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والحصار، واستخدام التصاريح والرسوم كورقة ضغط جيوسياسية فعالة لمكافأة الحلفاء (مثل الصين التي تستورد نحو 37.7% من النفط العابر للمضيق، والهند) واستبعاد الخصوم السياسيين. في النهاية، يهدف الإعلان إلى تحويل السيطرة العسكرية الفعلية التي يمارسها الحرس الثوري إلى إطار إداري وقانوني دائم يصعب الطعن فيه دولياً على المدى الطويل.
ردود الفعل الخليجية: رفض قاطع ودعوات للتحرك الدولي
أثارت الآلية ردود فعل غاضبة ومقلقة في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتبرها تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي. تقدمت السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، بالإضافة إلى الأردن، بخطاب مشترك عاجل إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن يرفض “القواعد الجديدة” ويطالب بوقف الرسوم غير القانونية.
وصفت الإمارات الإجراءات بـ”الابتزاز” و”العدوان”، وسرّعت تطوير خطوط أنابيب بديلة عبر الفجيرة. دعت السعودية (أكبر مصدر عبر المضيق بنسبة 37.2%) إلى خفض التصعيد مع التركيز على الحلول الدبلوماسية، بينما عبرت الكويت وقطر عن قلق عميق من تأثير التقييد على صادراتهما النفطية والغازية التي لا بدائل كافية لها حالياً. يعكس هذا التوافق الخليجي رفضاً جماعياً لأي سيادة إيرانية على ممر حيوي يُعد شريان الحياة لاقتصادات المنطقة.
الجوانب القانونية والسياسية ومخاطر المواجهة
تُعد الآلية الإيرانية الجديدة (بما فيها فرض الرسوم والتصاريح المسبقة والتمييز السياسي) تحدياً مباشراً للقانون الدولي للبحار. يعتمد الجدل القانوني بشكل أساسي على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تضمن نظام “المرور العابر” (Transit Passage) في المضائق الدولية مثل هرمز، وتحظر فرض رسوم أو تقييد انتقائي على السفن.
إيران لم تصدق على الاتفاقية، وتدعي أنها غير ملزمة بنظام المرور العابر، وتطبق بدلاً منه نظام “المرور البريء”. أما الدول الغربية والخليجية فتعتبره انتهاكاً صريحاً لحرية الملاحة. سياسياً، دفع مجلس التعاون الخليجي بمشاريع قرارات في مجلس الأمن، مهدداً بعقوبات، فيما حذرت الولايات المتحدة الشركات من الامتثال.
مخاطر المواجهة تشمل شكاوى قانونية دولية، عقوبات إضافية، زيادة التوتر العسكري، ومخاطر حوادث بحرية مباشرة.
إيران تدّعي اتصالات أوروبية لتأمين مرور السفن
وأفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية إن دولًا أوروبية أجرت اتصالات مع طهران لتسهيل مرور سفنها عبر مضيق هرمز، في ظل الآلية الجديدة التي أعلنتها إيران لتنظيم حركة الملاحة.
وذكر التلفزيون الإيراني أن سفنًا من دول آسيوية، بينها الصين واليابان وباكستان، عبرت المضيق بعد تنسيق مع الجهات الإيرانية المختصة.
وبحسب التقارير الإيرانية، جرت الاتصالات بهدف الحصول على تسهيلات لعبور السفن ضمن المسار الملاحي الذي تعمل طهران على تنظيمه داخل المضيق.
ولم تعلن إيران أسماء الدول الأوروبية التي قالت إنها تواصلت معها، كما لم تصدر حتى الآن مواقف رسمية أوروبية تؤكد هذه الاتصالات أو تنفيها.

