أعادت إيران تسليط الضوء على مسألة السيطرة على مضيق هرمز، بعد أن منحت عددًا من ناقلات النفط العراقية تصاريح خاصة للمرور عبره. ويأتي هذا التطور في وقت تؤكد فيه الولايات المتحدة أنها تتمتع بالهيمنة العسكرية في المنطقة، في حين تصر طهران، في المقابل، على أنها لا تزال قادرة على السيطرة على حركة الملاحة البحرية عبر هذا المضيق الاستراتيجي المهم.
ووفقًا لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، جاءت الموافقة بعد طلبات عراقية متكررة عبر قنوات مختلفة، في حين أكد الرئيس العراقي نزار أميدي أن إيران قد سهّلت بالفعل في الأيام الماضية مرور السفن المحملة بالنفط العراقي عبر المضيق. ولم يتم حتى الآن الإعلان عن عدد الناقلات التي حصلت على التصاريح، ولا عن عدد السفن التي عبرت المضيق فعليًّا.
تصاريح إيرانية تعيد سؤال السيطرة على هرمز

يكتسب هذا القرار أهمية سياسية تتجاوز مجرد مرور الناقلات العراقية، لأنه يقع في قلب صراع بين الولايات المتحدة وإيران حول أي الطرفين يمكنه فعليًّا ممارسة السيطرة على الملاحة البحرية في المضيق.
تفرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية، وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن البحرية الأمريكية قادرة على الحفاظ على هذا الحصار إلى أجل غير مسمى، في حين تؤكد واشنطن في الوقت نفسه أنها تسعى إلى ضمان مرور السفن غير الإيرانية. في المقابل، تواصل إيران التمسك بقيودها المفروضة على مضيق هرمز، وتهدد بمنع السفن التي تصنفها على أنها معادية من المرور عبره.
لذلك، فإن السماح للناقلات العراقية بعبور المضيق يضع الوضع على المحك عملياً: فقد حصلت السفن على إذن من طهران، وبدأت بعضها بالفعل في العبور، في حين لم يصدر أي بيان من جانب الولايات المتحدة يفيد بأنها تعترض على هذه الأذونات أو أن الناقلات العراقية تحتاج إلى إذن مماثل من الولايات المتحدة.
لكن هذا وحده لا يعني أن إيران تمتلك السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، تمامًا كما أن القوة العسكرية للولايات المتحدة وحدها لا تحسم مسألة السيطرة على جميع السفن التي تعبر المضيق. ومع ذلك، فإن هذا التطور يظهر أن…
ماذا حدث للناقلات العراقية؟
أكدت وكالة الأنباء الإيرانية أن طهران وافقت، بعد مطالبات متكررة من بغداد، على مرور عدد من ناقلات النفط العراقية. وكان منح تصريح خاص لهذه الناقلات من بين أهم المطالب التي طرحها الجانب العراقي خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق.
وكان قاليباف قد زار بغداد الأسبوع الماضي والتقى بمسؤولين عراقيين. وأكد الرئيس العراقي لاحقًا أن مسألة تصدير النفط عبر مضيق هرمز قد نوقشت مع المسؤولين الإيرانيين، وأن طهران قد سهّلت مرور السفن العراقية خلال الأيام الماضية. غير أنه وصف المسألة بأنها معقدة، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن منح التراخيص أو مدة صلاحيتها.
وبالتالي، فإن القرار الإيراني لم يكن بمثابة فتح عام للمضيق أمام النفط العراقي، بل كان استثناءً لعدد من الناقلات، في حين لا تزال القيود الأوسع نطاقاً على الملاحة البحرية سارية
هرمز لا يزال بعيدًا عن الحركة الطبيعية
يأتي مرور الناقلات العراقية في وقت لا يزال فيه حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز عند مستوى منخفض جدًّا مقارنةً بالفترة التي سبقت الحرب.
وتُظهر البيانات الصادرة عن خدمات تتبع السفن، والتي نشرتها وكالة رويترز، أن سبع سفن شحن فقط عبرت المضيق يوم الخميس، منها أربع سفن دخلت الخليج وثلاث سفن غادرته – مقارنة بـ 14 سفينة في اليوم السابق. ولم تكن بين السفن السبع أي ناقلة عملاقة للنفط الخام أو ناقلة للغاز الطبيعي المسال.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية استثنائية، حيث كان مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب ممرًا لنقل حوالي 20% من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، مما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد هناك يمكن أن يؤثر على أسواق الطاقة وأسعار الشحن والتأمين في جميع أنحاء العالم.
بالإضافة إلى ذلك، لا تعكس بيانات التتبع بالضرورة إجمالي حركة السفن، حيث يمكن لبعض السفن الإبحار وأجهزة الإرسال الخاصة بها مطفأة. ولذلك، فإن الأرقام المتاحة هي مجرد مؤشر على حجم الانخفاض وليست إحصاءً كاملاً لجميع عمليات العبور.
العراق من أكبر المتضررين
بالنسبة لبغداد، لا يقتصر الأمر هنا على مجرد صراع سياسي بين إيران والولايات المتحدة. فالعراق يعتمد بشكل كبير على النفط في تمويل الدولة، وأي انقطاع في أهم ممر بحري لصادراته يؤثر بشكل مباشر على قدرته على بيع النفط الخام وتحقيق الإيرادات.
قبل اندلاع الحرب، كان العراق ينتج حوالي أربعة ملايين برميل يوميًا، وهو الآن من بين الدول الأكثر تضررًا من الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
ولذلك، أصبح منح التراخيص للناقلات أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لبغداد، لكنه لا يوفر حلاً طويل الأمد لمشكلة اعتماد العراق على ممر بحري معرض لخطر الانقطاع عند كل تصعيد في منطقة الخليج.
بغداد تبحث عن مخارج بعيدة عن هرمز
دفعت الأزمة العراق إلى تسريع خطط تنويع طرق تصدير النفط. وتعمل بغداد على زيادة الصادرات عبر ميناء جيهان التركي، كما تبحث فتح مسارات باتجاه ميناء بانياس السوري وميناء العقبة الأردني، وفق تصريحات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
لكن بعض البدائل تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل. فمشروع خط أنابيب جديد بين العراق وسوريا للوصول إلى البحر المتوسط قد يستغرق نحو أربع سنوات وتقدر تكلفته بما لا يقل عن 15 مليار دولار، وفق مصادر تحدثت لرويترز. أما خط كركوك–بانياس القديم فتشير التقديرات إلى أن حالته لا تسمح بإعادته ببساطة إلى الخدمة، ما يدفع باتجاه إنشاء بنية تحتية جديدة.
وتشير الخطط المطروحة إلى إمكانية أن تصل الطاقة المستقبلية للمسار السوري الجديد إلى مليوني برميل يوميًا، وهو ما قد يمنح العراق في المستقبل منفذًا كبيرًا على البحر المتوسط ويقلل اعتماده الاستراتيجي على مضيق هرمز، إلا أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات والترتيبات الأولية.
من يسيطر فعليًا على مضيق هرمز؟
تتمتع الولايات المتحدة بتفوق بحري وعسكري كبير وتفرض حصارًا على الموانئ الإيرانية، في حين أثبتت إيران قدرتها على تعطيل حركة الملاحة البحرية وتهديد السفن بشكل مباشر، وبدأت الآن في منح تراخيص استثنائية لبعض الناقلات. وفي الوقت نفسه، تراجع حجم حركة التجارة عبر المضيق إلى جزء ضئيل من مستواها السابق.
لذلك، فإن مرور الناقلات العراقية لا يحسم الصراع على السيطرة، لكنه يمثل حقيقة جديدة مهمة: فقد طلبت بغداد من طهران السماح لناقلاتها بالمرور، ومنحت إيران التصاريح، وعليه بدأت السفن العراقية بالفعل في عبور المضيق.
ولم يتسن حتى الآن، استناداً إلى أي معلومات موثوقة، توضيح ما إذا كان ذلك قد حدث بالتنسيق الضمني مع الولايات المتحدة أم أن موافقة إيران وحدها كانت كافية لعبور هذه السفن.

