لا تبدو أزمة غرينلاند مرشحة للحل في المدى القريب، في ظل استمرار الخلاف بين المواقف الأميركية والأوروبية بشأن وضع الجزيرة. ولم يبقَ هذا الخلاف في إطاره السياسي، بل دفع العواصم الأوروبية إلى الانتقال من مجرد التضامن مع الدنمارك إلى الدخول في مواجهة كلامية مباشرة مع واشنطن. وبهذا التحول، خرج ملف غرينلاند من كونه خلافًا إقليميًا محدودًا، ليصبح اختبارًا فعليًا لحدود التزامات حلف شمال الأطلسي وقدرته على إدارة الصراعات بين أعضائه.

وجاء هذا التطور عقب تصريح رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، التي قالت إن أي هجوم عسكري تشنه الولايات المتحدة على دولة عضو في الحلف سيعني نهاية كل شيء، بما في ذلك حلف شمال الأطلسي نفسه. وذلك ردًا على تصريح كبير مستشاري ترامب ، ستيفن ميلر، اعتبر فيه أن غرينلاند يجب أن تكون جزءًا من الولايات المتحدة،وتسائل عن حق الدنمارك في السيطرة عليها . مؤكدًا أن واشنطن تمثل القوة الأساسية داخل الحلف

لم تتأخر العواصم الأوروبية في الرد على تصريحات مستشار الرئيس الأميركي، حيث أكدت بريطانيا أن غرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، وأن مستقبلها يقرره الغرينلانديون والدنماركيون فقط، مع التشديد على رفض أي تغيير في وضعها القائم بالقوة. وفي ألمانيا، قال وزير الخارجية إن غرينلاند جزء من الدنمارك، وبما أن الدنمارك دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، فإن أي نقاش يتعلق بحماية الجزيرة يجب أن يتم داخل إطار الحلف.
أما فرنسا، فأكدت عبر وزارة خارجيتها أن الحدود لا يمكن تغييرها بالقوة، وأن مستقبل غرينلاند يقرره الغرينلانديون والدنماركيون. وفي مواقف متكررة، شددت باريس على أن غرينلاند ليست للبيع ولا يمكن الاستيلاء عليها، وقدّمتها بوصفها إقليمًا أوروبيًا، وهو ما عكسته زيارات وتصريحات رسمية وبيانات مشتركة على مستوى القادة حول أمن القطب الشمالي وأهميته للأمن الأوروبي وعبر الأطلسي
ويكشف هذا النزاع حدود الإطار القانوني الذي يحكم عمل حلف شمال الأطلسي، إذ يتضح أن المعاهدة صُمّمت أساسًا لمواجهة الأخطار القادمة من خارج الحلف، وليس لمعالجة الخلافات التي قد تنشأ بين أعضائه. فعندما يتصاعد التوتر بين دولتين من داخل الناتو، لا توجد قواعد واضحة تحدد كيفية التعامل مع هذا النوع من الأزمات.
هذا الفراغ يضع الحلف في موقف صعب؛ فلا يمكن تفعيل مبدأ الدفاع المشترك، ولا توجد في المقابل آلية ملزمة تجبر الأطراف على حل النزاع سريعًا وبشكل مؤسسي. ونتيجة لذلك، تتحول الخلافات الداخلية إلى أزمات سياسية قد تُضعف وحدة التحالف وتُحرجه أمام الرأي العام الدولي.
ومن هنا، لم تعد أزمة غرينلاند مجرد خلاف حول جزيرة، بل أصبحت مثالًا واضحًا على التحديات التي يواجهها الناتو في الحفاظ على تماسكه، خاصة عندما تتعارض مصالح الدول الكبرى مع مصالح الدول الأصغر داخل الحلف

